صقر أبو فخر جريدة السفير، الخميس 10 كانون الأول/ ديسمبر، 2009
قرر السويسريون حظر بناء المآذن في بلادهم في استفتاءأجري في 29/11/2009. وجاءتردات الفعل من الهيئات الدولية التي تعنى بحقوق الإنسان وحريةالعبادة غاضبة ومعارضة لهذا الاستفتاءونتيجته باعتباره اعتداء على الحريةالدينية للأفراد والجماعات. واللافت أن أكثر الاحتجاجات شجاعة أطلقتهاأوساط سياسية واقتصادية وثقافية سويسريةبالدرجة الأولى، وهؤلاء دعوا،بقوة، إلى التصويت ضد مشروع حظر المآذن الذي دعا إليه اليمين الشعبوي،ورأوا فيه شأناً خطيراً يهدد السلام بينالمجموعات الدينية في سويسرا،ويسيء إلى صورة بلادهم. ولا ريب في أن موقف هؤلاء السويسريين، ومعهمفئاتواسعة منالأوروبيين، هو موقف شريف ومعارض للعنصرية المتمادية في أوروبا،ليس ضد المسلمين وحدهم، بل ضد المهاجرينمن البلدان المستعمرة سابقا، حتىلو كانوا مسيحيين. وما لا يدركه الأوروبيون، وبينهم السويسريون بالطبع،أنهذه الكراهيةالمنحطة، وتلك العنصرية البذيئة هي التي تؤسس للإرهاب الذيتشكو منه بعض الدول الأوروبية. اللافتأن الغالبية العظمى التي صوتت على ذلك القانون هي التي تسكن فيالكانتونالذيليس فيه مسلمون أو جوامع، الأمر الذي يشير إلى مدى تفاقم الأزمةالثقافية والفكرية في بلدان أوروبا التيعادت لتتلوث بالعنصرية المنفلتةمن عقالها، والتي اعتقدنا أن أوروبا تخلصت منها غداة انتهاء الحربالعالمية الثانية. تأخرت الهيئات السياسية والدينية في بلاد العربقليلاً كي تبدأ حملة الاعتراض على هذاالقانون. لقد كانت أوروبا بمثقفيهاالإنسانيين والمناهضين للعنصرية والمدافعين عن المهاجرين وعن حق الهجرة،ولا سيما لأبناء المستعمرات السابقة التيامتص البيض الأوروبيون نسغهاوثروتها معاً، مثالاً يحتذى حقاً، ويخالف الوجه الآخر لليمين الأوروبيالمتطرف المدرع بالكراهية. وهكذا كرّتسبحة المواقف العربية والإسلاميةوالدولية التي أدانت، في معظمها، موقف أغلبية السويسريين من هذهالمسألة (58% وافقوا علىحظر بناء مآذن جديدة). سأحاول أن أتأمل، ما استطعت،في هذا الأمر، وأن أقلّب هذه القضية على وجوه أخرى غير مااعتدنا أن نسمعهونقرأه من أفواه المتعصبين في بلادنا العربية والإسلامية. هل حقاً منعت حرية الاعتقاد لمسلمي سويسرا؟ وهل حظر بناءمآذن إضافية هو اعتداء فعلي على الحرية الدينية لجماعة المسلمين؟ أحسبأن حرية العبادة للمسلمين لم تمسّ. فالمسلمون في سويسرا، وفي النمساوالدنمارك والسويد والنرويج وهولنداوغيرها، ينعمون بحرية ممارسة شعائرهمالدينية وبحرية التعبير عن إيمانهم أكثر، بما لا يقاس، مما هو متاح لهمفيبلدانهم الأصلية. أماالأمر الطارئ فهو منعهم من إقامة مآذن جديدة فحسب،وهذا الأمر مرتبط تقريره لا بالمسلمين وحدهم، بل ببقيةالسكان من الجماعاتالأخرى التي طالما أزعجها ارتفاع صوت الأذان في الفجر في الأحياءالمختلطة. أي إن حظر بناء مآذن إضافيةهو، في أحد وجوهه، دفاع عن حقالآخرين من غير المسلمين (وربما بعض المسلمين أيضا) في النوم الهادئعندالفجر، وحقهم فيعدم إيقاظ أبنائهم التلاميذ قبل موعد وصول حافلات النقلالمدرسي. سيمط كثيرون شفاههم عجباً لكلامي هذا، لذا سأعيد التذكيربما جرى في طهران منذ سنوات عدة، فلعلالبعض يتذكر ويتفكر بعقل نقدي وعيونصاحية، فقد طلب آية الله جلالي خميني، وهو ممثل المرشد الأعلى آية اللهعلي خامنئي، من مساجد طهران ألا تسببإزعاجاً للأهالي برفع أصوات مكبراتهاالصوتية. وذكرت صحيفة «إيران دايلي» التي تصدر بالانكليزية أن جلاليخمينيأوضح بعبارة صريحة «أنمكبرات الصوت في المساجد ينبغي ألا تتسبب في إزعاجسكان الجوار، وينبغي عدم رفعها إلا لدى الأذان» («السفير»،15/7/1998). ويعرف كثيرون هنافي بيروت مقدار معاناة التلاميذ، والذين عليهم الاستيقاظفي السادسة صباحا على سبيل المثال، جراء تداخل أصوات عشرمآذن على الأقلفي حي واحد متوسط الحجم، علاوة على الاحتفالات الدينية المتمادية طوالأيام الأسبوع. وصارت بعض المساجد لاتكتفي بمئذنتها العادية، بل راحت تمدمكبرات الصوت إلى سطوح المباني البعيدة. إذا كان قرار أغلبية الشعبالسويسري، المتمرس بالديمقراطية والحريات وقضايا العدالةوالمساواةتعتورهشبهة الاعتداء على الحريات الدينية، فنحن، بالتأكيد، ضد هذا القرارحتى لو أن غالبية الناس هي من اتخذته. لكننيأعتقد أن مثل هذا القرار قديكون لمصلحة المسلمين في سويسرا، ولعلنا لا نريد، فعلاً، أن يسمعالسويسريون بعض خطب الجمعة التي يتخللهاالدعاء على النصارى واليهود. فهليريد بعض المتعصبين منا حقا أن يستمع السويسريون إلى الحض على الكراهيةمثلما فعل الشيخ عدنان إبراهيم فيالنمسا، وهو إمام وخطيب مسجد الشورى فيفيينا، عندما وصف المسيحيين واليهود بـ«المشركين والزناة»، وطلب منالمسلمين عدم الزواج من الكتابيات البتة،إلا إذا اضطر إلى ذلك، فعليه،والحال هذه، عدم الإنجاب؟ (جريدة «السياسة» الكويتية، 5/1/2007). وهلمنالملائم لنا أنيكتشف السويسريون بعض الخطب التي تعلّم المسلم كيف «يربي» زوجته بالضرب كما فعل الشيخ محمد كمال مصطفى إمام مسجد في إحدى مدناسبانيا الذي كان ينصح مريديه «بعدمالضرب في حالة الغضب المفرط، بل توجيهالضربات إلى اليدين والقدمين بقضيب ليس غليظاً جداً، بل بقضيب رفيع كللايترك جروحاً أوندوباً أو أوراماً» («الشرق الأوسط»، 3/7/2003)؟ [ [ [ إحدىمشكلاتنا في هذا العصر المضطرب ليس اليمين الأوروبي المتطرف بنسختهالسويسرية فقط، بل اليمين الديني الأعمىعندنا، وبالتحديد «جماعة حدثنافلان فقال». والمدافعون عن حرية المسلمين في الغرب (وهو أمر مبدئي فيأيحال) عليهم أنيدافعوا عن الحرية في الدول الإسلامية أولا كي يستقيمدفاعهم. والذين اعتقدوا أن الحرية باتت مهددة في فرنساعندما جرى حظرإشهارالرموز الدينية في المدارس والمؤسسات الحكومية (كالصليب والنجمةالسداسية والحجاب)، وتظاهروا احتجاجاًعلى هذا الحظر باعتباره يمس الحريةالفردية (وهذا أمر صحيح إلى حد ما)، هؤلاء لم يتظاهروا ضد تركيا عندماأسقطت عضوية مروة القاوقجي من البرلمانلإصرارها على ارتداء غطاء الرأس. وهؤلاءالذين يحتجون اليوم على حظر بناء مآذن جديدة في سويسرا باعتبار ذلكعدواناً على الحرية، لماذا لا يدافعون عنحرية المرأة في بعض الدولالإسلامية التي تمنع عليها قيادة السيارة وحتى دروس الرياضة فيالمدارس؟ إنوقوف بعض هيئات الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق المهاجرين والمنافحين عنحرية الاعتقاد ضد نتيجة الاستفتاءالسويسري لهو أمر جدير فعلاً بالتقريظوالاحترام. لكن مواقف «جماعة حدثنا فلان فقال» تسيل منها رائحةالانتهازيةوالنفاقبصورة لافتة. فهؤلاء (بل بعضهم على الأحوط) رفضوا بناء كنيسة فيقطر التي يقيم فيها 400 ألف مسيحي منجنسيات شتى. ومع أن هذه الكنيسة دشنتفي 15/3/2008، إلا أننا ما زلنا نتذكر ما كتبه لحدان بن عيسى المهنديفيصحيفة «العرب» القطريةفقال: «إن الكنائس في قطر أمر يثير الاشمئزاز»،وكيف رفض المهندس راشد السبيعي في رسالة إلى صحيفة «الوطن» «إعطاءالمسيحيين الحق في بناء دور عبادة»، وكيفاعترض نجيب محمد النعيمي وزيرالعدل القطري السابق (ومحامي صدام حسين) على بناء الكنيسة («النهار»،7/2/2008). وعندما اكتشفت جماعات سلفية في الكويت سنة 2001أن مجموعة من «السيخ» تلتقي فيأحد المنازل في ضاحية سلوى للتعبد، ارتفعت الأصوات تطالببإقفال المنزل، وطالب سعد العنزي بهدم هذا المعبد المستوروالموجود منذسنة 1985،ووافقه في ذلك محمد الطبطبائي، عميد كلية الشريعة بجامعةالكويت، والدكتور عبد الرؤوف الكمالي، الداعية الإسلاميالمعروف بالقول: «لا يجوز إعطاءالحرية في العبادة لغير المسلمين في أرضهم» («الرأيالعام»، 21/6/2001). المشهور أن أي كنيسة غير موجودة في طول المملكةالعربية السعودية وعرضها استناداً إلىحديث منسوب لابن عباس يقول أن النبيأوصى عندما اشتد عليه وجعه بـ«ألا يترك في جزيرة العرب دينين». والمعروفأيضا أن دخول مكة ممنوع على غير المسلم. الآن،ماذا لو منعت روما بناء أيمسجد فيها؟ وماذا لو اتخذ الفاتيكان قراراً بمنع المسلمين من التجول فيشوارع هذه الدولة؟ أما كــانت القيـامةتقوم احتجاجاً على هذه العنصرية،وعلى المس بالحريات الدينية؟ نعم. لو أن روما أو الفاتيكان أو أيدولة أو عاصمة اتخذت ذلك القرار، لكان الأمر يشكل،بالفعل، اعتداء علىالحرية، وعملاً عنصرياً منحطاً. لكن، ماذا عنا وعن سلوكنا حيالالمسيحيينوالجماعاتالدينية الأخرى كالهندوس والسيخ والبوذيين؟ وسلام على من إذازجر بالحق ازدجر، وإذا تأمل وتفكّر ونظر اعتبر.