12-05-2010 May Article of the Month
read more
21-09-2009 Article of the Week
read more
24-05-2010 Quote of the Week
read more
Untitled Document
Article of the Month

عنصريتــان

حظــر المــآذن فــي سويســرا

صقر أبو فخر
جريدة السفير، الخميس 10 كانون الأول/ ديسمبر، 2009

 

قرر السويسريون حظر بناء المآذن في بلادهم في استفتاءأجري في 29/11/2009. وجاءتردات الفعل من الهيئات الدولية التي تعنى بحقوق الإنسان وحرية العبادة غاضبة ومعارضة لهذا الاستفتاءونتيجته باعتباره اعتداء على الحرية الدينية للأفراد والجماعات. واللافت أن أكثر الاحتجاجات شجاعة أطلقتها أوساط سياسية واقتصادية وثقافية سويسريةبالدرجة الأولى، وهؤلاء دعوا، بقوة، إلى التصويت ضد مشروع حظر المآذن الذي دعا إليه اليمين الشعبوي، ورأوا فيه شأناً خطيراً يهدد السلام بينالمجموعات الدينية في سويسرا، ويسيء إلى صورة بلادهم. ولا ريب في أن موقف هؤلاء السويسريين، ومعهمفئات واسعة منالأوروبيين، هو موقف شريف ومعارض للعنصرية المتمادية في أوروبا، ليس ضد المسلمين وحدهم، بل ضد المهاجرينمن البلدان المستعمرة سابقا، حتى لو كانوا مسيحيين. وما لا يدركه الأوروبيون، وبينهم السويسريون بالطبع،أن هذه الكراهيةالمنحطة، وتلك العنصرية البذيئة هي التي تؤسس للإرهاب الذيتشكو منه بعض الدول الأوروبية.
اللافت أن الغالبية العظمى التي صوتت على ذلك القانون هي التي تسكن فيالكانتون الذيليس فيه مسلمون أو جوامع، الأمر الذي يشير إلى مدى تفاقم الأزمة الثقافية والفكرية في بلدان أوروبا التيعادت لتتلوث بالعنصرية المنفلتة من عقالها، والتي اعتقدنا أن أوروبا تخلصت منها غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية.
تأخرت الهيئات السياسية والدينية في بلاد العرب قليلاً كي تبدأ حملة الاعتراض على هذاالقانون. لقد كانت أوروبا بمثقفيها الإنسانيين والمناهضين للعنصرية والمدافعين عن المهاجرين وعن حق الهجرة، ولا سيما لأبناء المستعمرات السابقة التيامتص البيض الأوروبيون نسغها وثروتها معاً، مثالاً يحتذى حقاً، ويخالف الوجه الآخر لليمين الأوروبي المتطرف المدرع بالكراهية. وهكذا كرّتسبحة المواقف العربية والإسلامية والدولية التي أدانت، في معظمها، موقف أغلبية السويسريين من هذهالمسألة (58% وافقوا علىحظر بناء مآذن جديدة).
سأحاول أن أتأمل، ما استطعت،في هذا الأمر، وأن أقلّب هذه القضية على وجوه أخرى غير مااعتدنا أن نسمعه ونقرأه من أفواه المتعصبين في بلادنا العربية والإسلامية.
هل حقاً منعت حرية الاعتقاد لمسلمي سويسرا؟ وهل حظر بناءمآذن إضافية هو اعتداء فعلي على الحرية الدينية لجماعة المسلمين؟
أحسب أن حرية العبادة للمسلمين لم تمسّ. فالمسلمون في سويسرا، وفي النمسا والدنمارك والسويد والنرويج وهولنداوغيرها، ينعمون بحرية ممارسة شعائرهم الدينية وبحرية التعبير عن إيمانهم أكثر، بما لا يقاس، مما هو متاح لهمفي بلدانهم الأصلية. أماالأمر الطارئ فهو منعهم من إقامة مآذن جديدة فحسب،وهذا الأمر مرتبط تقريره لا بالمسلمين وحدهم، بل ببقيةالسكان من الجماعات الأخرى التي طالما أزعجها ارتفاع صوت الأذان في الفجر في الأحياء المختلطة. أي إن حظر بناء مآذن إضافيةهو، في أحد وجوهه، دفاع عن حق الآخرين من غير المسلمين (وربما بعض المسلمين أيضا) في النوم الهادئعند الفجر، وحقهم فيعدم إيقاظ أبنائهم التلاميذ قبل موعد وصول حافلات النقلالمدرسي.
سيمط كثيرون شفاههم عجباً لكلامي هذا، لذا سأعيد التذكير بما جرى في طهران منذ سنوات عدة، فلعلالبعض يتذكر ويتفكر بعقل نقدي وعيون صاحية، فقد طلب آية الله جلالي خميني، وهو ممثل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، من مساجد طهران ألا تسببإزعاجاً للأهالي برفع أصوات مكبراتها الصوتية. وذكرت صحيفة «إيران دايلي» التي تصدر بالانكليزية أن جلاليخميني أوضح بعبارة صريحة «أنمكبرات الصوت في المساجد ينبغي ألا تتسبب في إزعاجسكان الجوار، وينبغي عدم رفعها إلا لدى الأذان» («السفير»،15/7/1998). ويعرف كثيرون هنافي بيروت مقدار معاناة التلاميذ، والذين عليهم الاستيقاظفي السادسة صباحا على سبيل المثال، جراء تداخل أصوات عشرمآذن على الأقل في حي واحد متوسط الحجم، علاوة على الاحتفالات الدينية المتمادية طوال أيام الأسبوع. وصارت بعض المساجد لاتكتفي بمئذنتها العادية، بل راحت تمد مكبرات الصوت إلى سطوح المباني البعيدة.
إذا كان قرار أغلبية الشعبالسويسري، المتمرس بالديمقراطية والحريات وقضايا العدالةوالمساواة تعتورهشبهة الاعتداء على الحريات الدينية، فنحن، بالتأكيد، ضد هذا القرار حتى لو أن غالبية الناس هي من اتخذته. لكننيأعتقد أن مثل هذا القرار قد يكون لمصلحة المسلمين في سويسرا، ولعلنا لا نريد، فعلاً، أن يسمع السويسريون بعض خطب الجمعة التي يتخللهاالدعاء على النصارى واليهود. فهل يريد بعض المتعصبين منا حقا أن يستمع السويسريون إلى الحض على الكراهية مثلما فعل الشيخ عدنان إبراهيم فيالنمسا، وهو إمام وخطيب مسجد الشورى في فيينا، عندما وصف المسيحيين واليهود بـ«المشركين والزناة»، وطلب من المسلمين عدم الزواج من الكتابيات البتة،إلا إذا اضطر إلى ذلك، فعليه، والحال هذه، عدم الإنجاب؟ (جريدة «السياسة» الكويتية، 5/1/2007). وهلمن الملائم لنا أنيكتشف السويسريون بعض الخطب التي تعلّم المسلم كيف «يربي» زوجته بالضرب كما فعل الشيخ محمد كمال مصطفى إمام مسجد في إحدى مدن اسبانيا الذي كان ينصح مريديه «بعدمالضرب في حالة الغضب المفرط، بل توجيه الضربات إلى اليدين والقدمين بقضيب ليس غليظاً جداً، بل بقضيب رفيع كللا يترك جروحاً أوندوباً أو أوراماً» («الشرق الأوسط»، 3/7/2003)؟
[ [ [
إحدى مشكلاتنا في هذا العصر المضطرب ليس اليمين الأوروبي المتطرف بنسخته السويسرية فقط، بل اليمين الديني الأعمىعندنا، وبالتحديد «جماعة حدثنا فلان فقال». والمدافعون عن حرية المسلمين في الغرب (وهو أمر مبدئي فيأي حال) عليهم أنيدافعوا عن الحرية في الدول الإسلامية أولا كي يستقيمدفاعهم. والذين اعتقدوا أن الحرية باتت مهددة في فرنساعندما جرى حظر إشهارالرموز الدينية في المدارس والمؤسسات الحكومية (كالصليب والنجمة السداسية والحجاب)، وتظاهروا احتجاجاًعلى هذا الحظر باعتباره يمس الحرية الفردية (وهذا أمر صحيح إلى حد ما)، هؤلاء لم يتظاهروا ضد تركيا عندما أسقطت عضوية مروة القاوقجي من البرلمانلإصرارها على ارتداء غطاء الرأس. وهؤلاءالذين يحتجون اليوم على حظر بناء مآذن جديدة في سويسرا باعتبار ذلك عدواناً على الحرية، لماذا لا يدافعون عنحرية المرأة في بعض الدول الإسلامية التي تمنع عليها قيادة السيارة وحتى دروس الرياضة فيالمدارس؟
إن وقوف بعض هيئات الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق المهاجرين والمنافحين عن حرية الاعتقاد ضد نتيجة الاستفتاءالسويسري لهو أمر جدير فعلاً بالتقريظ والاحترام. لكن مواقف «جماعة حدثنا فلان فقال» تسيل منها رائحةالانتهازية والنفاقبصورة لافتة. فهؤلاء (بل بعضهم على الأحوط) رفضوا بناء كنيسة في قطر التي يقيم فيها 400 ألف مسيحي منجنسيات شتى. ومع أن هذه الكنيسة دشنت في 15/3/2008، إلا أننا ما زلنا نتذكر ما كتبه لحدان بن عيسى المهنديفي صحيفة «العرب» القطريةفقال: «إن الكنائس في قطر أمر يثير الاشمئزاز»، وكيف رفض المهندس راشد السبيعي في رسالة إلى صحيفة «الوطن» «إعطاء المسيحيين الحق في بناء دور عبادة»، وكيفاعترض نجيب محمد النعيمي وزير العدل القطري السابق (ومحامي صدام حسين) على بناء الكنيسة («النهار»،7/2/2008). وعندما اكتشفت جماعات سلفية في الكويت سنة 2001أن مجموعة من «السيخ» تلتقي فيأحد المنازل في ضاحية سلوى للتعبد، ارتفعت الأصوات تطالببإقفال المنزل، وطالب سعد العنزي بهدم هذا المعبد المستوروالموجود منذ سنة 1985،ووافقه في ذلك محمد الطبطبائي، عميد كلية الشريعة بجامعةالكويت، والدكتور عبد الرؤوف الكمالي، الداعية الإسلاميالمعروف بالقول: «لا يجوز إعطاءالحرية في العبادة لغير المسلمين في أرضهم» («الرأيالعام»، 21/6/2001).
المشهور أن أي كنيسة غير موجودة في طول المملكة العربية السعودية وعرضها استناداً إلىحديث منسوب لابن عباس يقول أن النبي أوصى عندما اشتد عليه وجعه بـ«ألا يترك في جزيرة العرب دينين». والمعروف أيضا أن دخول مكة ممنوع على غير المسلم. الآن،ماذا لو منعت روما بناء أي مسجد فيها؟ وماذا لو اتخذ الفاتيكان قراراً بمنع المسلمين من التجول في شوارع هذه الدولة؟ أما كــانت القيـامةتقوم احتجاجاً على هذه العنصرية، وعلى المس بالحريات الدينية؟
نعم. لو أن روما أو الفاتيكان أو أيدولة أو عاصمة اتخذت ذلك القرار، لكان الأمر يشكل،بالفعل، اعتداء على الحرية، وعملاً عنصرياً منحطاً. لكن، ماذا عنا وعن سلوكنا حيالالمسيحيين والجماعاتالدينية الأخرى كالهندوس والسيخ والبوذيين؟ وسلام على من إذازجر بالحق ازدجر، وإذا تأمل وتفكّر ونظر اعتبر.

 

  
 
 




Rights Reserved © 2007